السيد علي عاشور

111

موسوعة أهل البيت ( ع )

صفاء جوهر النفس وشدّة صقالتها ونورانيتها الموصل لها إلى المبادئ العالية وشدّة الإتّصال بها . وأمّا إطاعة مادّة الكائنات فبسبب شدّة انسلاخهم عن النواسيت الإنسانيّة ، تدوم عليهم الإشراقات العلويّة بسبب الإستضاءة بضوء القدس والإلف بسنا المجد فتطيعهم المادة العنصريّة القابلة للصور المفارقة فيتأثر المواد عن أنفسهم كما يتأثر أبدانهم عنها ، فلهذا يكون دعاؤهم مسموعا في العالم الأعلى والقضاء السابق ، ويتمكن في أنفسهم نور خلّاق به يقدرون على بعض الأشياء التي يعجز عنها غيرهم . قال اللّه تعالى في عيسى بن مريم : وَرَسُولًا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ وَما تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ « 1 » . وأما الخصلة الثالثة فلأنّ الأنبياء لهم نفوس مقدسّة ، قلّت شواغلها عن الحواس الظاهرة ، فتخلّصت بذلك عن المادّة الجسمانيّة ، فلم يكن بينها وبين الأنوار حجب ولا شواغل لأنّها من لوازم المادّة ، فإذا تخلّصت النّفس عن تعلقاتها كانت مشاهدة للأنوار والمفارقات البريئة عن الشوائب الماديّة واللّواحق الغريبة ، ولذا يكونوا مشاهدين للملائكة على صورهم بقوتهم القدسية ، سامعين لكلامهم ، قابلين لكلام اللّه تعالى بطريق الوحي ، ومعلوم أنّ المادّة التي تقبل هذه الخصائل والكمالات تقع في قليل من الأمزجة ، ولذا قال : إنّ الأنبياء وصفوته من خلقه ، فمزاجهم أعدل الأمزجة الإنسانية ، ونفسهم الفائضة من الأوّل تعالى ألطف وأشدّ وأقوى وأوسع وجودا من غيرها ، فهم غير مشاركين للنّاس على مشاركتهم لهم في الخلق والتركيب في شيء من أحوالهم ، وقوله : في شيء من أحوالهم ، تتعلّق بقوله غير مشاركين للنّاس . واعلم أنّ اللّه جعل المزاج الإنساني أعدل الأمزجة ، لتستوكره نفسه الناطقة التي هي أشرف النّفوس ، ولا بدّ أن يكون وكرها لائقا لها ، وقال المعلّم الثّاني أبو نصر الفارابي في المختصر الموسوم بعيون المسائل كما نقله عنه المحقّق الطوسي في آخر النّمط الثاني من شرحه على الإشارات : حكمة الباري تعالى في الغاية ، لأنّه خلق الأصول ( يعني بها العناصر ) وأظهر منها الأمزجة المختلفة ، وخص كل مزاج بنوع من الأنواع ، وجعل كلّ مزاج كان أبعد عن الإعتدال سبب كلّ نوع ، كان أبعد عن الكمال ، وجعل النّوع الأقرب من الإعتدال مزاج البشر حتّى يصلح لقبول النّفس النّاطقة انتهى . وكما أنّ النفس الناطقة مميّزة عن سائر النفوس بآثار وأفعال تختصّ بها ، ولا بد أن يكون مزاجها المتعلق بها أعدل من غيره كذلك الأنبياء الذين هم غير مشاركين للنّاس ، على مشاركتهم لهم

--> ( 1 ) سورة آل عمران ، الآية : 49 .